في يوم، ومحدش واخد باله، دخلت مريم المطبخ عشان تعمل كوباية شاي، وسمعت صوت كحة واهات جاية من أوضة صفاء. وقفت مكانها مترددة.. عقلها بيقول لها: “خليكي في حالك، دي هي اللي جابته لنفسها”، وقلبها بيقول لها: “الست كبيرة في السن، ولو جرى لها حاجة ذنبها في رقبتك.
” سابت الكباية، وخدت نفس عميق، وخدت خطوة شجاعة؛ راحت خبطت على باب أوضة صفاء خبطة خفيفة، ومستنتش إذن، فتحت الباب ودخلت وهي شايله في إيدها كوباية يانسون دافية. لقيت صفاء قاعدة على السرير، وشها باين عليه التعب ومنكمشة على نفسها.
بصت لها صفاء بنظرة حادة وقالت بصوت مأساوي: “جاية تشمتي فيا.. ولا إيه؟ اطمني، لسه ما متّش عشان تفضى لك الشقة!” وقفت مريم قدام السرير بكل هدوء، حطت الكوباية على الطرابيزة جنبها، وقالت بصوت هادي وخالي من أي تحدي: “أنا عمري ما شمت في حد يا حاجة صفاء، وربنا يطول في عمرك.
. بس البيت ملوش طعم، والزعل مش هيوصلنا لحاجة. أنا يمكن طولت في لساني يومها، بس الكيل طفح.. وإنتي كمان عارفة إنك زودتيها معايا.” سكتت صفاء، وبصت في كوباية اليانسون، وبعدين بصت لمريم طويلاً.. كأنها بتشوفها لأول مرة من غير نظارات الكبر والسيطرة.
مدمعتش صفاء، بس حست إن الحصون اللي بناها عمرها كله بدأت تتصدع قدام كلمة حق وطيبة. قالت صفاء بصوت واطي وناشف: “اطلعي اقفلي الباب وراكي يا مريم.. سيبيني لوحدي.” طلعت مريم وسابت الباب مردود، وهي حاسة إن الحكاية لسه مخلصتش، وإن كسر الجليد ده هو البداية لمرحلة جديدة خالص في بيت العيلة!
مرت الأيام بعد الليلة دي، ومبقاش بيت العيلة زي الأول، بس الأجواء اتغيرت للأحسن. صحيح الحاجة صفاء ما اعترفتش بغلطها صراحة، فالكبرياء القديم صعب يتكسر في يوم وليلة، لكن طريقتها اتغيرت 180 درجة. بطلت تقف على الواحدة، ومبقتش تحاسب مريم على اللقمة ولا الشربة، وحتى لما كانت تدخل المطبخ، بقت تبتسم من غير تلقيح ولا كلام يسم البدن.
مريم كمان، بقلبها الطيب وأصلها النظيف، مابطلتش تحط لها الأكل الدافئ وتدخل تطمئن عليها، وكأنهم اتفقوا من غير ما يتكلموا إن الحياة بالشكل الجديد ده أريح بكتير وأهدى للكل. في يوم، كانت صفاء قاعدة في الصالة، ومريم معدية بصينية الشاي، نادت عليها صفاء بصوت هادئ لأول مرة تحسه حقيقي وخالي من أي سموم: – “تعالي يا مريم.
. اقعدي جنبي يا بنتي.” استغربت مريم وقعدت بترقب، فبصت لها صفاء وقالت بصوت واطي وبشيء من الكسوف: – “أنا عارفة إن دمي كان حامي، وإني كنت مخلية عيشتكم مرّة.. بس تعودت أكون أنا السيادة ومحدش يراجعني..
مش معني كده إني بنكر إنك ست بيت شاطرة وبنت أصل، ووقفتك جنبي وهي مريضة علمتني كتير.” دمعت عيون مريم من الكلام اللي كانت تتمناه من أول يوم دخلت فيه العتبة، وقالت بابتسامة: – “ولا يهمك يا حاجة صفاء، كلنا بنتعلم، والمهم إننا فهمنا بعض خلاص.
” من اليوم ده، مبقاش بيت العيلة “ساحة حرب”، بل بقى بيت بجد، فيه احترام متبادل، وست كبيرة عرفت إن القوة الحقيقية مش في التسلط والتحكم، بل في المحبة واللمة اللي تدوم. ومريم كسبت احترام حماها وبيتها، وعرفت إن بالصبر والحكمة، كل جبل عالي بيوطى. تمت



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.